د. سعد الهموندي
في منطقتنا لا تموت الأوهام والأساطير السياسية بل تتجدد بحسب المصالح والمؤامرات وخداع الشعوب، تتبدل الأسماء، تتغير الخرائط، تتبدل التحالفات، لكن العقل الرسمي والشعبي لا يزال يجد في بعض “الأوهام الكبرى” ملاذاً مريحاً من مواجهة الأسئلة الأصعب.
واليوم ربما أكثر هذه الأوهام رسوخاً وتكرارا، ما يمكن تسميته بوهم الأخوة الكوردية الإسرائيلية.
فكلما طُرحت القضية الكوردية، وكلما ارتفع صوت يطالب بحقوق أو اعتراف أو شراكة وطنية عادلة، ينهض الاتهام الجاهز من تحت الركام:
“الكورد مشروع إسرائيل”، “الكورد إخوة لإسرائيل ضد العرب”، “الكورد خنجر في ظهر الأمة”…
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح ببرود العقل لا بحرارة الشعارات هو:
هل نحن أمام حقيقة سياسية؟
أم أمام أسطورة عربية متوارثة تؤدي وظيفة التخوين أكثر مما تشرح الواقع؟
خاصة وأن السياسة لا تعرف الأخوة إطلاقاً بل تعرف المصالح
إذا أردنا الخوض بشكل تفصيلي علينا أولاً أن نعرف بأن أي رابط أخوة وجدانية بين الشعوب لا وجود له إلا ضمن الإنسانية عالية القيم، أما بوجود المصالح، والتحالفات الظرفية المتغيرة فلا وجود لهذه الأخوة.
وإذا كانت السياسة تُقاس بالوقائع، فإن مصطلح “الأخوة الكوردية–الإسرائيلية” الذي يتداوله البعض ليست واقعاً قائماً كما يُروَّج، بل هو تضخيم إعلامي وخطاب تعبوي أكثر من كونه علاقة سياسية مؤثرة.
فلا توجد سفارات معلنة، ولا تحالفات رسمية، ولا مشاريع مشتركة ولا قدرة إسرائيلية أصلًا على إنتاج علاقة مع المكون الكوردي كما يتخيل بعض الخطابات العربية.
إنها ليست “أخوة” بل سردية جاهزة للتخويف، خاصة وأن الكورد ليسوا كتلة واحدة، ولا مشروعاً واحداً.
واليوم أرى أن أحد أكبر الأخطاء في الخطاب العربي هو التعامل مع الكورد كحالة سياسية وليس كقومية وثقافة متناغمة مع المحيط العربي.
والمشكلة الحقيقية هي أنه وبدل أن يسأل المحيط العربي السؤال الحقيقي والواقعي:
لماذا يشعر الكورد بالتهميش؟، ولماذا لم تُبنَ الدولة الوطنية على شراكة عادلة؟، ولماذا يتحول التنوع إلى أزمة بدل أن يكون ثروة؟
يتم الهروب عن الإجابة بترويج خطاب شعبوبي ضيق بأن “إسرائيل وراء كل شيء”، وهناك علاقة أخوية بين الكورد واسرائيل لتجييش التعاطف الشعبوي في المنطقة ضد المكون الكوردي.
وهكذا تتحول القضية من نقاش حقوقي وطني إلى تهمة أمنية أخلاقية.
والمفارقة الكبرى: أن العرب أنفسهم عقدوا اتفاقات مع إسرائيل، وضمن لحظة تاريخية شديدة السخرية، أصبحت علاقات دول عربية مع إسرائيل علاقات رسمية، وعلاقة اقتصاد، وأمن، وطيران، واتفاقات، ومشاريع.
ومع ذلك لا تُسمى هذه الدول “مشروعاً إسرائيلياً”، ولا تُتهم بأنها “خنجر في ظهر الأمة”.
لكن الكوردي يُدان حتى بالإشاعة، ويُحاكم حتى بالتصور والتخيل.
إنها ازدواجية لا يمكن تجاهلها، فالكورد ليسوا مؤامرة، بل مأساة تاريخية.
والكورد، في التاريخ الحديث، لم يكونوا مشروعاً خارجياً بقدر ما كانوا ضحية داخلية:
حلبجة، الأنفال، التهجير، منع اللغة، سحق الهوية.
فشعبنا دفع ثمناً لا يمكن اختزاله في تهمة سطحية، والقضية الكوردية ليست مؤامرة، بل بحثاً عن عدالة واعتراف من الآخر.
إن الاستمرار في تداول أسطورة “الأخوة الكوردية الإسرائيلية” لا يخدم العرب، ولا يخدم الكورد، ولا يخدم بلداً مثل العراق، بل يزرع الكراهية ويلغي الشراكة، ويعمق الشقوق بدل ردمها.
والدول التي تبني سياساتها على الأوهام لا تنتج استقراراً، بل تنتج مزيداً من الانقسام.
وعلى الجميع أن يعرفوا بأن الكورد ليسوا غرباء، والمكونات الأخرى العربية وغيرها ليسوا وحدهم أصحاب هذه الأرض، بل هي أرض للجميع، والمنطقة لن تنجو ولن تستقر ولن تزدهر إلا بالشراكة الحقيقية بين العربي والكوردي.
