خونچه صباح أحمد
أنا كوردية، لا أقول ذلك كبيان هوية فحسب، بل كشهادة على معاناةٍ لا تنتهي، وجرحٍ لا يندمل، وذاكرةٍ لا تُغفل.
في كل بقعة من كوردستان، أنهارٌ من الدم، وبحارٌ من الدموع، في كل جبلٍ صرخةٌ تشقّ السماء، وفي كل نهرٍ ذكرياتُ شعبٍ عريقٍ لم يُسمح له أن يعيش حرًّا على أرضه، نحن الكورد — لا لأننا اخترنا أن نكون كذلك، بل لأن التاريخ والجغرافيا كتبا لنا هذا الاسم بالدم — نحمل على ظهورنا ثقل القرون، ونستنشق هواء الغدر الذي لا ينضب، ونشهد كيف تُسرق من أبنائنا الأحلام قبل أن تولد، وتُنتزع منهم الحقوق قبل أن يطالبوا بها.
لم يخلقنا الله لنركع، ولم تزرعنا هذه الأرض لنرضى بالهوان، صمودنا ليس رفاهية، بل واجب الأجداد، وحريّتنا — في لغتنا، في أرضنا، في وجودنا — ليست طلبًا، بل حقٌّ لا يُناقش.
فليسمع الظالمون، والمستبدّون، وأدوات الاحتلال باسم الدين أو القومية: لن تُطمس هويتنا، ولن يُسكت صوتنا، مهما طال الليل… فنحن شعبٌ لا يموت، بل يُولَد من جديد كلما سالت دماء شهدائه.
لقد سقطت أنظمة، وانهارت عروش، وتبدّلت وجوه الحكام من بغداد إلى دمشق، ومن أنقرة إلى طهران، لكن نهج القمع ضد شعبي لم يسقط، بل ازداد جذورًا، وتنقّل من لونٍ إلى آخر، ومن قناعٍ إلى غيره، دون أن يتغيّر جوهره: إنكار وجودنا، وسلب أرضنا، ومحاصرة لغتنا، وتجريم انتمائنا.
ففي سوريا، التي كانت يومًا مسرحًا للثورة والحرية، صار الكورد اليوم يُساقون خارج بيوتهم في حلب ( شيخ مقصود وأشرفية)، ليس لأنهم خونة أو غرباء، بل لأنهم كورد، فبعد سقوط الأسد — الذي كان يُمارس القمع باسم الدولة — جاء “أحمد الشرع” وأمثاله، ليُعيدوا إنتاج الاستبداد باسم الدين، فهل تغيّر الواقع فعليًا، أم تغيّر الاسم فقط وبقي القمع كما هو؟
أين العدل حين يُطالب المسلحون المنفلتون — الذين لا يُعرف مصدر سلاحهم ولا ولاؤهم — قوات قسد بتسليم سلاحها، بينما هم أنفسهم خارجون عن القانون، بل وعن الإنسانية؟
أليس في هذا نفاقًا يُدمي القلوب ويُحرق العقول؟
وفي العراق، حيث كنا نظن أن سقوط صدام سيُنهي الكوابيس، بقيت جراحُ الأنفال تنزف في ذاكرتنا؛ 182مئةٌ واثنتان وثمانون ألفَ نفسٍ دُفنت حيّةً، وقرىً بأكملها مُحيت من الخريطة، وأنفالُ أكثرَ من 8 ثمانيةِ آلافٍ من البارزانيين، وحلبجةُ التي ما زالت رائحةُ الغاز تلوّث ذاكرتها. وبعد كل هذا، بعد كل هذا الدم، وبعد كل هذه الجراح ، أليس لنا الحق أن نحلم باستقلالنا؟ أن نقيم دولتنا التي لا تُهدَّد فيها هويتُنا، ولا يُساوَم على كرامتِنا؟ إلى متى يظل الاستقلال حرامًا علينا، بينما هو حقٌ مشروع لغيرنا؟ إلى متى تستمر الطائفية والاستبداد والقمع، لتُبقي شعبًا عريقًا في أرضه أسير الشبهات، ممنوعًا من أن يكون سيد نفسه؟؟ والنظام السائد اليوم يمارس ضدنا سياسة التجويع الممنهج، فيقطع الأرزاق والرواتب، ويستخدم لقمة العيش سلاحًا يُشهره في وجه شعبٍ لم يطلب سوى العيش الكريم على أرضه، كمواطنٍ لا كمتسوّل.
أما تركيا، فما زالت تُمارِس سياسة الإنكار منذ تأسيس الجمهورية، اللغة الكوردية تُمنَع، الثقافة تُهمَش، والنشطاء يُعتقلون لمجرد أنهم قالوا: “نحن كورد”، والعمليات العسكرية لا تتوقف في جبال قنديل وسهول كوردستان الجنوبية، وكأن الأرض لا تُزرع إلا بالرصاص، لا بالحنطة، هل هذه هي المواطَنة؟ أم أنها مجرد اسمٍ يُكتب على الورق، بينما الواقع يُكتَب بالدم؟
وفي إيران، يُحاصر الكورد بين سيف التشييع القسري وحدّ السجن، يُقتَل العلماء، ويُعدَم الشباب، ويُمنع التعليم بلغتنا الأم، وكل ذلك باسم “الوحدة الوطنية” ؛ لكنّ الوحدة الحقيقية لا تُبنى على الإكراه، بل على الاعتراف، ولا يُحقّق الأمن من يبنيه على الخوف، بل من يبنيه على العدل.
لقد ظلّ أعداء الكورد عبر التاريخ يستخدمون الدين كستارٍ لتبرير القمع، فحين يرتدي الاستبداد ثوب الفقه، يصبح أكثر فتكًا؛ لأنه لا يُحاسب كحاكم، بل يُقدَّس كوليّ.
ويصير من يعارضه ليس معارضًا سياسيًا، بل “كافرًا”، و”مرتدًّا”، و”خائنًا للدين”
وهكذا يتحول الوطن إلى ساحةٍ للتطهير، لا للتعايش، ويتحوّل الشعب إلى قطيعٍ يجب أن يطيع، لا إلى مواطنين لهم حقوق؛ لكنّ الكورد — رجالًا ونساءً، شيوخًا وشبابًا — لم ينكروا دينهم حين نادوا بهويتهم فالشيخ سعيد بيران، والقاضي محمد، والخالد الملا مصطفى البارزاني، وشيخ محمود الخالد وغيرهم من رموزنا، لم يكونوا “قوميين” بالمعنى الدنيوي الضيق، بل كانوا مؤمنين بأن الكرامة جزء من الإيمان، وأن الحرية هبة من الله لا يجوز التنازل عنها، فهل يُعقل أن يُدان شعبٌ لأنه أراد أن يعيش كما خلقه الله: حرًّا، كريمًا، ناطقًا بلغته، متمسكًا بأرضه؟
أكتبُ اليوم، لا كخطابٍ غاضب، بل كصرخة وعي.
أكتبُ لأن الصمت أمام الظلم خيانة.
أكتبُ لأنني أرى في عيون شعبي سؤالًا لا يُقال: “لماذا نُعاقب ألأننا كورد؟
أكتبُ لأن التاريخ لن يغفر لمن سكت، بينما كان بإمكانه أن يشهد.
نعم، تساقطت الأنظمة….. لكن الكورد ما زالوا هنا صامدين، لأننا أقوياء، ولأن الظلم لا يُطفئ نور الحق؛ ولأننا لا نُهزم، لأن الهزيمة ليست في السقوط، بل في التنازل عن الذات، ونحن لن نتنازل عن حقنا مهما كان، فليعلم العالم أننا لسنا طلبَة حقوق، بل أصحاب حق.
ولم نطلب أكثر من حقّنا في العيش بكرامة على أرضنا، وامتلاكِ دولتنا المستقلة: دولة كوردستان، وتعليمِ أبنائنا بلغتنا، ورفعِ رؤوسنا دون خوف.
وكل من يحاول أن يسلبنا هذا، فليعلم أننا سنبقى — حتى لو دُفنّا تحت الركام — صوتًا لا يُسكت، وحكاية لا تُمحى.
عاش الكورد….
وعاشت كوردستان حرةً أبية.
