د. سعد الهموندي
بغداد مدينة تشبه كتاباً مفتوحاً، بإمكانك أن تقرأ فيه فصول التاريخ وتشم فيه رائحة السياسة وعرق الناس على الأرصفة
فمنذ وصولي إلى هنا، وأنا أراقب الشوارع التي ازدحمت بالمخالفات، وأسمع أصواتاً خفية قبل حملات الانتخابات عن برامج سياسية تُقدم في قاعات المؤتمرات، والوعود التي تُغدق على الناس كما لو أن كل شيء سيتغير بعد الانتخابات القادمة بيوم واحد…
لكن في عيون المواطنين الذين التقيتهم، لم ألمح حماساً بقدر ما لمحت سؤالاً صامتاً: “هل ستكون هذه الانتخابات مختلفة؟ أم أننا سنعود إلى نقطة الصفر بعد أن تُطوى صناديق الاقتراع بدقائق؟”
إنها ليست مجرد حملة انتخابية، بل اختبار جديد للعقد الاجتماعي في العراق، اختبار لصدق البرامج ومدى التزام القادة السياسيين بما يقطعونه من وعود…
فهنا في بغداد، تبدو المعركة أعمق من مجرد تنافس انتخابي، إنها معركة على شكل الدولة، على مصداقية الديمقراطية، وعلى أمل المواطن الذي بات مهدداً بالانطفاء.
لقد شهدنا جميعاً كيف تتحول الحملات الانتخابية السياسية إلى مهرجانات للوعود: تحسين الكهرباء، تطوير التعليم، القضاء على البطالة، بناء المستشفيات، إصلاح الطرق، وتحقيق العدالة الاجتماعية.
لكن ما إن تصل القوى السياسية إلى السلطة حتى تتبخر هذه الوعود في دهاليز البيروقراطية، أو تذوب في صراعات تقاسم المناصب والنفوذ.
ليجد المواطن نفسه أمام واقع منقطع الصلة بالشعارات، إذ تبقى الخدمات متدهورة، والشوارع غارقة، والكهرباء متقطعة، والفرص بعيدة المنال.
الانتخابات المقبلة ليست مجرد حدث سياسي، إنها فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، غير أن غياب برامج واقعية قابلة للتنفيذ، وتحول بعض الحملات إلى استعراضات إعلامية، يُهدد بتحويل العملية إلى مسرح جديد لإعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس السياسات.
فبغداد اليوم تعيش حالة استقطاب سياسي غير مسبوقة، فالقوى تتنافس ليس فقط على عدد المقاعد، بل على رسم خريطة السلطة لعقد كامل قادم، وهنا يبرز السؤال:
هل سنشهد سباقاً انتخابياً سلمياً يقوم على البرامج، أم معركة كسر عظم هدفها إقصاء الخصوم وتثبيت النفوذ؟
والمشكلة أينما اتجهت في بغداد، تصادفك علامات الخلل: شوارع تحتاج إلى صيانة، أحياء تعاني من انقطاع المياه، انقطاعات كهربائية مزمنة، وازدحامات خانقة.
هذه ليست تفاصيل يومية عابرة، بل هي مؤشرات على فشل إداري مزمن، وورقة ضغط قوية على الناخب الذي قد يستخدم صوته كعقاب أو احتجاج.
إن أي حملة انتخابية تتجاهل هذه الحقائق ستكون فاقدة للشرعية الأخلاقية أمام جمهور أنهكته الأزمات.
إذا أراد السياسيون أن يقنعوا الشارع بجدوى المشاركة، فعليهم أن يقدموا خططاً واضحة ومؤطرة زمنياً لتحسين الخدمات، وأن يلتزموا برقابة حقيقية على التنفيذ.
الوقت قد حان لإنهاء مرحلة الوعود غير المنفذة، فالناخب أصبح أكثر وعياً، ويستطيع عبر وسائل التواصل الاجتماعي رصد ومساءلة المرشحين.
فتحويل الحملات الانتخابية إلى منصات برامج حقيقية تتضمن أرقاماً وخططاً قابلة للقياس هو حل مهم، مع تعزيز الشفافية في تمويل الحملات حتى لا تكون الانتخابات سباقاً لمن يملك المال أكثر، بل لمن يملك رؤية أعمق.
كذلك من المهم إطلاق مراقبة مدنية موسعة تتابع تنفيذ الوعود بعد الانتخابات، لا الاكتفاء برصد عملية التصويت، مع ربط الحملات الانتخابية بمؤشرات الخدمات الأساسية كالكهرباء، الماء، الطرق، التعليم، والصحة، ليكون الناخب شريكاً حقيقياً في صناعة القرار.
فمن بغداد أكتب هذه الكلمات وأنا أسمع جعجعة ولا أرى طحناً، السؤال ليس: من سيفوز؟ بل: هل سيفي الفائزون بوعودهم هذه المرة؟ فإما أن تكون الانتخابات المقبلة بداية مرحلة جديدة من الوفاء والإنجاز، أو تكون حلقة أخرى في مسلسل فقدان الثقة بين المواطن والدولة، والتاريخ لن يرحم من يضيع الفرصة الأخيرة.
