حسام_الغزالي
ربما لم يعد السؤال اليوم كيف نُطوّر التعليم؟ بل أصبح: هل ما زالت المدرسة قادرة على البقاء أصلاً في ظل سطوة أدوات الذكاء الاصطناعي؟
إذا ما أردنا تفصيل هذا الأمر علينا أن ننظر أولاً إلى أطفال اليوم الذين باتوا يعيشون بين عالمين متناقضين:
عالم المدرسة، الذي ما زال يعمل بمنطق القرون الوسطى من آلية التعليم والتلقين “الببغاوية” والتي تقيس النجاح والفشل بمعايير أُثبت فشلها في جميع العلوم النفسية والسايكولجية….
وبين وعالم السوشيال ميديا وثورة الذكاء الاصطناعي، الذي يقفز كل يوم عشرة أعوام إلى الأمام.
فهذه الفجوة لم تعد مجرد مشكلة تربوية، بل باتت تهديداً حقيقياً لبُنية الوعي الذي نعيشه، وللنتائج التي ستحصل عليها أجيال المستقبل هذا إن افترضنا أننا سنكون ضمن معادلة المستقبل أصلاً.
فعلى افتراض أن جيل “اكس X” وجيل “واي Y” قد نجوا نوعاً ما أو استطاعوا النعايشة بين عصر التكنولجيا وواقعهم، فإن جيل “زد Z” وجيل “ألفا” هم من سيدفعون الثمن والدليل ببساطة، أنهم إلى اليوم يذهبون إلى ذات المدارس التي كانت قبل عشرات السنوات ويتعلمون من ذات المناهج تقريباً اللهم بعض التغييرات الطفيفة التي لا تصل إلى واحد بالمليون من ثورة الذكاء الاصطناعي التي تجتاج العقول الخضراء واليابسة بذات الوقت.
فأجيال الاكس والزد اليوم حقيقة يقفون في منتصف الطريق بين كتاب جامد وآلية تلقين ببغاوية غبية، وخوارزمية ذكية تعرف كل الإجابات.
والمشكلة أن أحد الطلاب للمرحلة الثانوية سمعته يقول إنه بات يثق “بتشات جي بي تي” وبطريقة شرحه أكثر من أفضل المدرسين في مدرسته “الانترناشونال”.
فالمشكلة الحقيقية أنه وفي منطقتنا، لم تعد المدرسة هي مصدر المعلومات الأول للطفل، فالطفل اليوم يتعلم من “الترند”، من اليوتيوبرز، من الفيديوهات القصيرة، ومن برامج الذكاء الاصطناعي التي تشرح له كل شيء خلال ثوان، وبطريقة تحاكي كل شخص بحسب مستواه العقلي والمعرفي.
بينما في المدرسة، يظل يواجه مناهج ثابتة لا تتغير إلا كل عشر سنوات أو أكثر، وطرق تدريس تعتمد على التلقين، وامتحانات تُقيّم الذاكرة لا التفكير.
أمام هذا الواقع حقيقة يُشعر الطلّاب بشرخ كبير بين ما يراه على شاشته وما يراه في صفحات الكتاب، وهذا دليل واضح على أن الذكاء الاصطناعي يهدد منظومة التعليم التقليدية كلياً.
والحقيقة المرة أن الذكاء الاصطناعي لم يصنع الأزمة بل كشفها، فهو لم يخلق الفجوة بين الطفل والمدرسة إنما جعلها أكبر، أعمق، وأوضح، فالطالب لم يعد يحتاج إلى شرح معلم بطيء أو منهج طويل يمكنه أن يسأل أي أداة من أدوات الذكاء الاصطناعي المجانية ليأخذ كل ما يريده بدقائق بدل عملية تلقين لأشهر.
كل ذلك يجعل المدرسة تبدو؛ في نظره أبطأ من أن تبقى، وبعيدة عن واقع لا ينتظر أحداً.
والسؤال هل الحل في رمي وإلغاء منظومة التعليم؟
أم صناعة منهج تدريبي يعتمد على تطوير المهارات؟
للإجابة عن هذا التساؤل؛ الذي برأيي الخاص أراه أحد الحلول المستعجلة، علينا معرفة أن مشكلة التعليمُ التقليدي هي محاولته للمساواة العقلية بين الأطفال…إذ يُقاس تفوقهم بدرجات في مواد متشابهة، ويُحكم عليهم بالنجاح أو الفشل وفق امتحانات موحدة، كأنهم نسخ من قالب واحد.
لكن الواقع الإنساني أعمق من ذلك بكثير.
فالطفل ليس نسخة ورقية، بل مشروع مهارة.
ليس مطلوباً منه أن يكون “متفوقاً في كل المواد”، بل أن يكون متمرساً فيما يجيد.
أن يُتقن ما يحب، وأن يطور ما يتقاطع مع ميوله، وأن يبني مساره الخاص، لا أن يسلك طريقاً واحداً مفروضاً على الجميع، النقلة التي نحتاجها اليوم ليست في نوع المناهج، بل في جوهر الفكرة، إننا بحاجة إلى جيل متدرّب لا جيل متعلم، جيل قادر على الممارسة، التجربة، المحاكاة، التفكير، التنفيذ، وفهم الأدوات، لا مجرد حفظها.
فالثورة التي يجب أن نصنعها اليوم خاصة في عالمنا المتخلف تقنياً وتكنولجيا واصطناعياً أن نصنع مدارس تعمل وفق تقنية التدريب وليس التعليم، أي إلغاء الحفظ واستبداله بتنمية القدرات.
فالمدرسة الجديدة التي نحتاجها يجب أن تكون:
مكاناً لتعلم مهارات التفكير… لا لحفظ الإجابات.
ورشة لصناعة المشاريع، لا لحل الواجبات.
مساحة لتجربة العلوم، لا لتكرارها من الكتب.
بيئة تُشجّع التخصص المبكر، لا تفرض مساراً موحداً،
ساحة لتطوير الشخصية والذكاء الاجتماعي والمهارات الرقمية، لا مكاناً لجمع قطعان الأطفال في غرفة تلقينية واحدة.
هذه المدرسة لن تُلغِي التعليم، بل ستنقذه، ولن تقف أمام ثورة الذكاء الاصطناعي، بل ستتكامل معها.
فحين يصبح الطلاب أصحاب مهارات حقيقية، سيستخدمون حينها الذكاء الاصطناعي أداة لإبداعهم وتطوير قدراتهم، لا بديلاً عنهم.
فنحن اليوم في مأزق حقيقي وأمام مفترق طرق خطير، إما أن نبقى في مدرسة الأمس التي تبني “طلاب المعلومات الببغاوية”، وإما أن نبني مدرسة الغد التي تصنع “متدربين ماهرين”.
فالثورة الحقيقية التي نحتاجها اليوم ليست في إلغاء التعليم، بل في تحريره من شكله القديم، وبناء منظومة وآلية لمعرفة ماذا نريد من الأجيال القادمة، وكل هذا يجب أن يكون برسم صناع القرار وخاصة وزارات التربية والتعليم العالي والأساسي، لأن الموضوع ليس مزحة، بل عاصفة قادمة سترمي الأجيال القادمة في صحراء معرفية يضيعون فيها.
