د. سعد الهموندي
ما جرى مؤخراً في أربيل، الجريمة البشعة التي أودت بحياة ثلاثة شبان أبرياء، داخل “بانزخانة” محطة وقود، كان صاعقة عليّ شخصياً وعلى قلوبنا جميعاً، حزني لم يكن فقط على الدم المسفوك ظلماً، بل أيضاً على الشر الذي بدأ يزحف من خلف شاشات التواصل الاجتماعي، الشر الذي يتسلل بيننا على شكل كلمات حادة، وتغريدات مسمومة، ومنشورات تمتلئ بالتحريض وتعميم التهم…
فجأة، تحولت مأساة إنسانية إلى مادة للانقسام، إلى منصة يُعاد فيها رسم حدود وهمية بين العرب والكورد، وكأننا شعوب غريبة لا يجمعها وطن ولا دم ولا مصير مشترك…
منذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أن ما حدث هو فعل فردي مجرم، وجريمة ننكرها ضد أخوتنا العرب أولاً وننكرها ضد الإنسانية ثانياً، لكن هذا الفعل لا يمت بصلة إلى قيم شعب إقليم كوردستان وأهله، ولا يمثل شعباً عُرف بالكرم والضيافة وحماية الضيف، ففي كل مكان في العالم هناك جرائم فردية واضحة المعالم، وهناك مجرمون، لكن لم يحدث يوماً أن اختُزل شعب كامل في فعل فرد واحد، إلا حينما يكون العقل غائباً والعاطفة أسيرة الغضب….
فعلى وسائل التواصل رأيت دعوات غاضبة تقول: “لا تذهبوا إلى كوردستان”، وسمعت من يرد بعنف مضاد، وكأننا دخلنا في سباق نحو من يستطيع أن يجرح الآخر أكثر، هذه ليست أصوات العدالة، ولا أصوات الإصلاح، هذه أصوات الحقد حين يجد أرضاً خصبة لينمو فيها…
التاريخ علّمنا أن الجدران التي نبنيها بالكراهية لا تحمينا، بل تحاصرنا جميعاً في خوف وسوء ظن، حتى يصبح كل جار متهماً، وكل غريب خطراً.
كوردستان كانت وستبقى بيتاً لكل العراقيين، نحن نتقاسم الحياة، نضحك في المقاهي ذاتها، نتزاحم في الأسواق، ندرس في الجامعات نفسها، ونسير في الشوارع ذاتها، نحن لسنا ضيوفاً على بعضنا، نحن أهل بلد واحد. إذا خسرنا هذه الروابط، سنفقد أثمن ما نملك: إنسانيتنا.
والمؤسف حقاً أن الفراغ الذي يتركه صوت العقل، يملؤه المحرضون، إذا صمت من يدعو للخير، ارتفع صوت من ينفخ في النار، وإذا تراجع صوت الحكماء، تقدّم صوت من يقتات على الفوضى، واليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحتاج إلى المؤثرين الإيجابيين، إلى الصحفيين الشرفاء، إلى النشطاء الذين يرون أبعد من لحظة الغضب، ليقفوا في الصف الأول ليس لتبرير الجريمة أو التقليل من فداحتها، بل لتوضيح أنها جريمة فردية، وأن الرد عليها يجب أن يكون بالقانون، لا بالتعميم والتحريض.
لن نسمح لجريمة فردية أن تمحو أخوة عمرها مئات السنين، ولا أن تُشوه صورة وطننا المشترك، نحن جميعاً مسؤولون عن حماية هذه الأخوة.
رحم الله الشبان الذين قتلوا ظلماً، وأسكنهم الله فسيح جناته، وألهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان، قلوبنا معهم، وجرحهم جرحنا جميعاً، ولن نسمح أن يضيع حقهم أو أن تتحول ذكراهم إلى وقود للكراهية
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.
