سعد الهموندي
في قلب جغرافيا هذا البلد مازالت الأرواح لا الحدود هي من تتنازع، نزاع من المفترض أن يكون شراكة في وطن واحد، حيث تحولت هذه العلاقة إلى ساحة اختبار قاس لمفاهيم العدالة، والانتماء، والتعايش، بل وحتى الإنسانية.
لم يعد الخلاف بين حكومتي بغداد وأربيل مجرد نزاع سياسي يحل عبر التفاوض، بل بات يمس اللقمة، يمس كرامة الإنسان في العيش، ويهدد بانفجار صامت في وجدان شعب صبر طويلا على التجاهل والتجويع.
فاليوم ليس سهلا أن أكتب عن شعب يتعرض لقهر سياسة التجويع من حكومة اتحادية من المفترض أنها تنظر بعين المساواة لكل مواطن عراقي، ولا أن تصمت حين ترى موظفا كوردياً ينتظر راتباً غائباً منذ أشهر، أو يقف أمام كيس خضروات يشتري الطماطم والبطاطا “بالحبة والحبتين”، ليطعم عائلته لأن راتبه وحقه يُدار بعقلية العقاب الجماعي.
فهل يعقل أن تتحول الخلافات السياسية إلى أدوات لتجويع الموظفين؟ هل أصبح الجوع سياسة مقبولة؟
إن إرسال راتب واحد كل 3 أو 4 أشهر لا يمكن تسميته دعماً، بل هو محاولة إذلال ممنهج، يراد منه إضعاف الإقليم المزدهر لينحني أمام مطالب غير محقة وغير إنسانية وغير سياسية، ومن المفترض أن الإقليم محمي تحت غطاء الصلاحيات الدستورية أو القوانين المالية، في حين أن الدستور نفسه ينتهك كل يوم من قبل من يفترض بهم أن يحموه.
اليس من المعيب على من يسمّون أنفسهم “إخوة الوطن” أن يتعاملوا مع إقليم كوردستان بمنطق الحصار؟
اليس من المخزي أن تكون لقمة الموظف رهينة مكاتب التنازع السياسي؟
إذا كان هناك خلاف سياسي — وهو أمر طبيعي في دولة فدرالية متعددة المكونات — فمكان حله هو طاولة الحوار، لا جيوب الفقراء، ولا موائد الأرامل، ولا أحلام الأطفال الذين ينتظرون كسوة عيد أو دين آبائهم من دكان الحي.
السياسة ليست قوة قسرية لفرض الأمر الواقع، وليست حيلة عقابية لترويض الطرف الأضعف. السياسة فن إدارة التعدد، واحتواء الخلاف، وبناء الجسور. أما أن تتحول إلى وسيلة للتجويع، فإن ذلك لا يظهر صلابة القرار السياسي، بل يفضح فشله، وعجزه عن التطور والنجاح، ويكشف عن عقلية ما تزال تعيش في زمن الغلبة لا في زمن الدستور.
كيف يُمكن لحكومة اتحادية أن تدّعي تمثيلها لشعب كامل، وهي تعاقب جزءاً منه بالمال، وتساومه على حقوقه الدستورية؟
هل كتب على إقليم كوردستان أن تدفع دوماً ثمن مزاج العاصمة؟
ومتى كان الراتب “منةً” لا استحقاقا؟ متى أصبح الدستور اختيارا لا التزاما؟
ما يحدث اليوم يعكس أزمة ثقة عميقة بين الطرفين. أربيل لا ترى شريكا حقيقيا في بغداد، وبغداد تتعامل مع الإقليم بعقلية المركز المتسلط، لا الشريك الدستوري.
لكن لا مستقبل للعراق بدون إقليم كوردستان، ولا استقرار للإقليم في ظل سياسات عقابية طويلة الأمد. ما نحتاجه اليوم ليس فقط اتفاقات مالية مؤقتة، بل إعادة صياغة العلاقة على أساس شراكة واقعية:
شراكة تُحترم فيها خصوصية الإقليم، وتُصان فيها حقوقه، وتُفهم فيها حاجاته، وتُفعل فيها القوانين بشكل لا انتقائي.
إن ما يجري الآن، من تخفيض أو انقطاع أو تأخير في الرواتب، ومن تهميش للإقليم في ملفات اقتصادية وسياسية حيوية، ليس إلا تراكما سيؤدي إلى ما يشبه الانفصال الصامت، فبغداد ومن خلال سياستها العرجاء تبني كل يوم ثقلا جديدا على جدار عدم الثقة، وترفع اعمدة الجفاء السياسي عالية بين بغداد وأربيل وتبني حواجز التجويع المنهجي.
وإن لم تُعالج هذه السياسات، فإننا لن نكون أمام وطن متعدد، بل أمام مشروع هش، يتفكك بصمت، وتنهار فيه الجسور بين المكونات، ليس بالسلاح، بل بالتجويع والتهميش.
إقليم كوردستان ليست خارج العراق، لكنه يرفض أن يكون داخله إن كان الثمن هو التجويع والإفقار وسياسة التهميش ضد المواطن…
ويبقى السؤال الذي لطالما حاولت أن لا أطرحه، هل نحن بالفعل أخوة في الوطن، وإذا كنّا كذلك هل من المنطقي ان يعاقب الأخ أخاه بالتجويع.
