د. سعد الهموندي
في لحظة سياسية عراقية تتكاثر فيها التعقيدات وتتشابك فيها المصالح المحلية والإقليمية، يعود البيت الكوردي ليتصدر واجهة الأحداث كأحد العناصر الأكثر تأثيراً في معادلة الحكم ببغداد.
ليس لأنه طرف سياسي آخر في معادلة التوازنات، بل لأنه الكتلة الأكثر قدرة على ترجيح كفة الاستقرار أو الانسداد، بحسب مستوى تماسكه الداخلي وقدرته على اتخاذ قرارات موحدة، فقد أثبتت التجارب السياسية منذ عام 2005 أن غياب الموقف الكوردي الموحد غالباً ما يفتح الباب لهيمنة إرادات خارجية على الملفات الجوهرية، بل ويمتد أثره إلى قلب العملية السياسية في بغداد، حيث تتموضع القوى الكوردية في مفصل حاسم بين الكتلتين الشيعيتين والسنية.
اليوم، وفي ظل نتائج انتخابات أعادت رسم خريطة القوى، ومع صراع محتدم على رئاسة الوزراء وتشكيل الحكومة في بغداد، بات واضحاً أن تماسك البيت الكوردي ليس شأناً حزبياً أو مناطقياً، بل ضرورة وطنية لضمان استقرار البلاد، فبغداد تحتاج إلى شريك كوردي واضح القرار، موحد الرؤية، قادر على التفاوض باسم إقليم كوردستان ككل وليس باسم طرف دون الآخر، وعلى تقديم حلول بدلاً من إضافة عقد جديدة إلى مشهد مكتظ بالأزمات.
إن انقسام الساحة الكوردية لا يضعف قدرة الإقليم على التفاوض فحسب، بل يسمح للقوى الاتحادية بأن تتعامل مع الملف الكوردي باعتباره ساحة نفوذ قابلة للتدوير، وليس شريكاً دستورياً أساسياً، وهذا ما ينعكس فوراً على العديد من الملفات خاصة ملف الموازنة الاتحادية، والمادة 140 وقانون النفط والغاز، وإدارة المناطق المتنازع عليها، وغيرها الكثير.
وبقدر ما تبدو هذه الملفات تقنية وقانونية، فإنها في الحقيقة سياسية أولاً وأخيراً، وتحتاج إلى موقف كوردي واحد يستطيع الضغط حين يلزم، والتنازل حين تستدعي مصلحة الإقليم والدولة العراقية معاً.
في المقابل، يظهر اليوم إدراك متزايد عند القوى السياسية في بغداد بأن تماسك البيت الكوردي عامل توازن رئيسي، وأن أي خلل داخلي فيه ينعكس على التحالفات الكبرى، ويزيد من ارتباك مشهد تشكيل الحكومة.
بل وبعض القوى الاتحادية اليوم باتت ترى في وحدة الكورد عنصراً مساعداً لتقليل احتمالات الانقسام الشيعي – الشيعي أو السني – السني، وذلك لأن الكورد غالباً ما يلعبون دور صوت الترجيح في لحظات الانسداد العميق، والتاريخ شاهد على ذلك.
من هنا، يصبح السؤال الأساسي متى يدرك الجميع في الإقليم أن وحدتهم أكثر أهمية من خلافاتهم، وأن بغداد لا تُصلَح إلا حين يكون الصوت الكوردي واضحاً وغير متنازع عليه؟
فمعادلة البيت الكوردي ليست مجرد شأن محلي، بل هي بوابة لإعادة توازن العملية السياسية برمتها، فكلما وقف الإقليم كمؤسسة سياسية موحدة، كانت بغداد أقرب إلى الاستقرار، وكانت فرص الإصلاح أكبر، وكانت القرارات الوطنية أشمل وأكثر متانة.
وكلمتي هذه ليست سوى دعوة لاستعادة الوزن التاريخي لكوردستان في قلب الدولة الاتحادية، وبناء معادلة جديدة قوامها الشراكة، الاستقرار، والمسؤولية المشتركة بين الجميع.
