سعد الهموندي
مع مطلع العام الجديد، نتفائل كالعادة بالخير والسلام، ونتطلع إلى تحقيق الوعود المعلّقة، والأمنيات المؤجلة، فليس بأيدينا سوى التفاؤل الدائم، ومع ذلك، فإن مسؤولية الكلمة تفرض علينا أن نحاول، وأن نكتب، وأن نضع الأمل حيث يجب أن يكون.
ونحن في مؤسسة رؤى للتوثيق والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية ومجلة رؤى المستقبل، نستقبل هذا العام بما يحمله من تحديات، وكلّنا عزيمة على أن يبقى صوتنا صادقاً، وكلمتنا واضحةً، وهدفنا نوراً، متمنّين أن يكون عام 2026 عاماً للخير والبركة والسلام، عاماً تتراجع فيه لغة الخلاف، وتعلو فيه لغة الحكمة، ويكون فيه الإنسان، بكل تنوّعه وانتماءاته، هو الأولوية والغاية.
لقد مرّت شعوبنا، وشعوب المنطقة عموماً، بمحطات صعبة، وتراكمت الملفات، وتعقّدت الأزمات، حتى باتت الخلافات السياسية عبئاً ثقيلًا على حياة المواطن اليومية، وعلى طموحه البسيط في العيش الكريم، والاستقرار، والأمان. ومع دخولنا هذا العام الجديد، لا نطلب المستحيل، بل نطلب الممكن، والعاقل، والعادل: أن تُدار الخلافات بعقل الدولة، لا بمنطق المكاسب الضيقة، وأن يُعاد الاعتبار لفكرة الشراكة الحقيقية، القائمة على الدستور، والاحترام المتبادل، والمصلحة الوطنية العليا.
إن تشكيل حكومة مستقرة وفاعلة، سواء على المستوى الاتحادي أو في إقليم كوردستان، لم يعد ترفاً سياسياً أو خياراً مؤجلًا، بل أصبح ضرورة وطنية وأخلاقية. فالحكومات لا تُشكَّل لإرضاء الكتل، بل لخدمة الناس، وتأجيل الحلول لم يعد يؤجل الألم، بل يضاعفه، ويُعمّق الفجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويغذّي مشاعر الإحباط وفقدان الثقة.
نأمل، مع بداية عام 2026، أن نشهد إرادة سياسية جادةً تتجه نحو حسم الملفات العالقة، وتنفيذ الاستحقاقات الدستورية، ومعالجة قضايا الرواتب، والخدمات، والاقتصاد، والتنمية، بعيدًا عن لغة التصعيد والتخوين. ونأمل أن يكون هذا العام بدايةً فعليةً لإغلاق صفحة النزاعات المفتوحة، وفتح صفحة جديدة عنوانها التعاون، والتكامل، وبناء الدولة، لا صناعة الأزمات.
إن العراق، بكل مكوّناته، يمتلك من الثروات البشرية والطبيعية ما يؤهله لأن يكون بلداً للرخاء والازدهار، لا ساحة صراع دائم. ويمتلك إقليم كوردستان، بما له من خصوصية وتجربة، فرصةً حقيقيةً ليبقى نموذجًا في الاستقرار، والتنمية، والتعايش، متى ما قُدّمت المصلحة العامة على الحسابات الحزبية.
وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن مستقبل أفضل دون إعادة الاعتبار لمفهوم العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وبناء اقتصاد منتج، يفتح الأبواب أمام الشباب، ويعيد الثقة للطاقات المعطّلة، ويحول الطموح إلى مشاريع، والأحلام إلى فرص عمل، والاستقرار إلى واقع ملموس، فالشباب هم ثروة العراق الحقيقية، وهم من سيدفع ثمن الفشل إن استمر، أو يجني ثمار النجاح إن تحقق.
كما نتمنى أن يكون عام 2026 عاماً تتعزّز فيه الحريات المسؤولة، ويُصان فيه الرأي، ويُحترم فيه الاختلاف، ويعلو فيه صوت العقل على ضجيج الانقسام، فالأوطان لا تُبنى بالصوت الواحد، بل بتعدّد الأصوات ضمن إطار القانون، ولا تستقر بالقوة، بل بالعدالة، ولا تزدهر بالإقصاء، بل بالشراكة.
إن دور الإعلام، في هذه المرحلة المفصلية، لا يقل أهميةً عن دور السياسة، فالكلمة الصادقة، والتحليل المسؤول، والرؤية المستقبلية، أدوات بناء لا تقل أثراً عن القرارات، ومن هذا المنطلق، تؤكد مجلة رؤى المستقبل التزامها بأن تبقى منبراً للفكر، ومساحةً للحوار، وجسراً بين الواقع والمأمول، بعيدًا عن الاصطفاف، وقريباً من هموم الناس وتطلعاتهم.
نحن لا ننكر حجم التحديات، ولا نقلّل من صعوبة الطريق، لكننا نؤمن بأن الشعوب التي تعبت كثيراً تستحق أن ترتاح، وأن الأوطان التي دفعت أثماناً باهظةً تستحق أن تستقر، وأن العراق، بكل جراحه، ما زال يمتلك القدرة على النهوض، متى ما التقت الإرادة مع الرؤية، والقرار مع الضمير.
في هذا العام الجديد، نوجّه تحية تقدير لكل مواطن صابر، ولكل يد تعمل بإخلاص، ولكل صوت يدعو إلى السلام، ولكل عقل يرفض اليأس. ونتمنى أن يكون عام 2026 عاماً تُترجم فيه الأقوال إلى أفعال، والوعود إلى إنجازات، والخلافات إلى حلول، وأن يُكتب فيه فصل جديد من فصول الاستقرار، والرخاء، والازدهار.
عام جديد يحمل أملًا جديداً، وعراق يستحق مستقبلًا يليق بتاريخه وشعبه.
