كرمند موسى
الانتخابات هي لحظة محورية في حياة أي مجتمع ديمقراطي، لحظة مصيرية تُعيد رسم موازين القوى وتحدد أولوية السياسات العامة، لكنها في دول مثل العراق تتحوّل إلى ميدان تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والمحلية، وتبرز فيه قضايا الثقة، والأمن، وإدارة ما بعد الصراع.
فالانتخابات العراقية القادمة ليست استثناء، ونرى فيها نزاعات داخل البيت الشيعي، تنافس سني، تأثير السلاح، ومشكلات إدارية ومصداقية تجعل النتيجة أكثر تأثيراً على طبيعة الحكم من مجرد توزيع مقاعد…
وإذا ما نظرنا إلى تعديلات على قانون الانتخابات خلال السنوات الأخيرة سنرى ميلاناً إلى تقوية الأحلاف الكبيرة والكتل التقليدية على حساب القوائم المستقلة والحركات الشبابية، وهو ما أعاد إنتاج منطق المحاصصة وقلّل من هامش النفوذ الانتخابي للقوى الصاعدة…
لذا نرى اليوم أن الساحة السياسية مقسمة بين أحلاف رئيسية: قوى معتدلة/حكومية تقودها تيارات مرتبطة برئيس الوزراء، تحالفات شيعية تقليدية بما في ذلك ما يُعرف بـ«الإطار التنسيقي» وكتل مرتبطة بالحشد، وهنا نعود إلى مربع التخوف الأول وهو استياء عام من الأداء الحكومي، ومستويات بطالة مرتفعة، وقضايا فساد، وغير ذلك الكثير…
لكن إذا دققنا النظر أكثر إلى الوضع العام في الموصل، المدينة ذات الحساسية المركّبة، خاصة بعد احتلال داعش ثم تحرير المدينة، سنرى أن المجتمع السياسي في المدينة ممزق، وهذا ينعكس على سلوك الناخبين وسير الحملات.
فنرى إلى اليوم قضايا النازحين والعودة وإحصاء الناخبين مازالت مثار جدل واسع، إضافة إلى وجود أعداد كبيرة من النازحين داخلياً، ومشكلات في سجلات الناخبين وبطاقة التصويت وكل ذلك يأخذنا إلى أن نسبة المشاركة والنتيجة قد تتأثر بشكل كبير بقدرة الأطراف على تسجيل النازحين وإقناعهم بالعودة للتصويت، وهذه بحسب رأيي الشخصي نقطة صعبة من حيث العدالة والتمثيل.
كذلك لا ننسى الضغط الأمني مع وجود مجموعات مسلّحة تابعة أحياناً لفصائل خارج سيطرة الدولة، وهو ما يُثير مخاوف من ضغوط حمائية، كشراء الأصوات أو الإكراه الصوتي، وهذه الديناميكية تُضعف البيئة الانتخابية النزيهة.
فالتنافس اليوم خاصة السُني المحلي والكتل العشائرية في الموصل تشير إلى أن هنالك قوى تحاول استعادة دور قيادي في تمثيل الموصل ونينوى بعد سنوات من التهميش، مع اعتماد كبير على زعامات محلية وقوائم تشارك باسم إعادة الإعمار والاستقرار.
كذلك لا ننسى وجود مكوّنات مسيحية/آشورية وطوارئ ديموغرافية في سهول نينوى وهو ما يجعل المنافسة متعددة المحاور؛ بعض القوائم تستهدف شرائح دينية/قومية محددة ما يزيد من تفتّت الأصوات المحليّة.
وبحسب رؤيتي إلى الوضع الراهن أقول إذا نجحت كتلة مركزية (مثل تحالف رئيس الوزراء) في حشد موارد ووعود إجراء مشاريع في نينوى، فذلك قد يقوّض قدرة القوائم المحلية ولا ننسى أن تركيز الحملات على ملفات ملموسة (إعادة الإعمار، الخدمات، فرص العمل) بدلاً من الخطاب الطائفي/العشائري الذي يستغل الانقسامات، بات يرتفع في الأونة الأخيرة وهو دليل على أن القوى السياسية بدأت تعمل وفق الحاجيات الأساسية للمواطن.
فالانتخابات ليست مجرد تنازع على مقاعد، بل هي اختبار لقدرة الدولة العراقية على تحويل إرادة الناخبين إلى سياسات فعلية وإدارة لمرحلة ما بعد الصراع.
وفي الموصل، النتيجة ستكون مؤشراً على قدرة المجتمع على التعافي السياسي والجغرافي، والسؤال هل ستنتصر قواعد المصالح المحلية وإعادة الإعمار أم ستستمر منطق المحاصصة والضغوط الأمنية؟
الإجابة على هذا السؤال رهن الأيام القادمة، والتي ستحمل دلالات على مستوى بغداد وسيناريوات تشكيل الحكومة المستقبلية.
